فخر الدين الرازي
90
شرح عيون الحكمة
الخامس : هو أن الشئ لو كان ممكنا ، لكان ذلك الامكان اما أن يكون عدما محضا ونفيا صرفا ، وأما أن يكون أمرا موجودا . والأول باطل ، لأنه لا فرق بين أن يقال : لا امكان ، وبين أن يقال : الامكان عدم محض ونفى صرف . والثاني باطل لوجوه : أحدها : أن يقال : الامكان صفة للممكن ومفتقرة اليه . وكل ما كان كذلك فهو ممكن ، فيكون امكانه زائدا عليه . فيلزم التسلسل . وهو محال . وثانيها : أن ثبوت الامكان للممكن ضروري ، فلو كان الامكان صفة موجودة . لكان قيام هذه الصفة الموجودة بتلك الماهية ضروريا لذاته ، وكون المحل موجودا ، شرط قيام الصفة الموجودة به ، لامتناع قيام الصفة الموجودة بالمحل المعدوم ، وما كان شرطا للواجب بذاته ، أولى أن يكون واجبا لذاته . فيلزم أن يكون الممكن بذاته واجبا لذاته . وهو محال . وثالثها : ان الامكان لو كان أمرا موجودا ، لكان ممكن الوجود لذاته ، وحينئذ لا يكون الممكن لذاته موجودا واحدا ، بل موجودين . ثم يكون واحد ممكنا لذاته ، فيكون كل واحد منهما لا يكون شيئا واحدا بل شيئين . وبهذا الطريق يصير ذلك الشئ الواحد أربعة أشياء ، وكذا القول في كل واحد منهما ، فيلزم أن لا يكون الشئ الواحد شيئا واحدا بل أشياء غير متناهية هذا خلف . والجواب عن السؤالين الأولين من وجهين : الأول : هو أن اعتبار ماهية الشئ من حيث هي هي غير ، واعتبار ماهيته مع الوجود أو مع العدم ، ومع وجود السبب أو مع عدمه غير . ونحن نسلم أن اعتبار ماهيته مع الوجود تقتضى الوجوب ، ومع العدم تقتضى الامتناع . أما اعتبار الماهية من حيث إنها هي لا تقتضى الوجوب ولا الامتناع . وذلك هو الامكان . وهذا الجواب انما يصح مع القول بأن الوجود غير الماهية .